lundi 5 décembre 2016

مجلة ملتقى الشعراء والأدباء // ارواح متمردة // بقلم الدكتورة نجاح باراوي

. أرواح متمردة:
... نحث الخطا..  نغز السير.. لاهثين.. نتجول هنا وهناك  نبحث في كل مكان.عن نصفنا المفقود..  
  وعندما نلتقيه تحدث ومضة.تستقر في غفلة من العقل، داخل تجاويف الوجدان ، تمتلك القلب ، وتسيطر على الكيان..
.  فتتلاقى الارواح لتحلق في واحات النقاء.
.. هذا مانلمسه في قصة حب رومانسية  من روائع أدبياتنا الخالدة التي سجلها تاريخنا الحديث
بين العملاقين مي زيادة وجبران خليل جبران.
... لقد مثل  «جبران خليل جبران» حب مي الأبدي، وقد تعذر اللقاء بينهما طوال حياتهما، ولكن عدم التلاقي لم يكن ليمنعهم من انجراف عواطفهم وتبادل أحاديث الهوى عبر الرسائل البريدية، التي كانت بمقاييس عصرهم تأخذ وقتا طويلا، فبعد أن انتظرت دون جدوى، حضور جبران إلى القاهرة، لملمت كل شجاعتها، وكتبت له أجمل رسالة حب: (..جبران) لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب. إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب ودعواه في المراقص والاجتماعات، ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللألأ السطحي، لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم، ويفضلون السكوت، ويفضلون تضليل القلوب عن ودائعها، والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة. ويفضلون أي غربة وأي شقاء (وهل من شقاءٍ في غير وحدة القلب؟) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة.
ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب. أقول هذا مع علمي أن القليل من الحب الكثير. الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من النزر اليسير. كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا. وكيف أفرط فيه؟ لا أدري. الحمد لله أني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به، لأنك لو كنت الآن حاضرا بالجسد لهربتُ خجلا بعد هذا الكلام، ولاختفيتُ زمنا طويلا، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى. حتى الكتابة ألوم نفسي عليها، لأني بها حرة كل هذه الحرية.. أتذكر قول القدماء من الشرقيين:
إن خيرا للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب.
قل لي أنت  ما إذا كنت على ضلال أو هدى فإني أثق بك.. وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة فإن قلبي يسير إليك، وخير ما يفعل هو أن يظل حائما حواليك، يحرسك ويحنو عليك. ... غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال السحب العجيبة الأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة، آلهة الحب، أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟ ربما وجد فيها بنت هي مثلي، لها جبران واحد، حلو بعيد هو القريب القريب. تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النور يتبع الظلام، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل أن ترى الذي تحب، فتتسرب إليها كل وحشة الليل، فتلقي بالقلم جانبا لتحتمي من الوحشة في اسم واحد: (جبران).
*****
ويرد عليها جبران برسالة أكثر عذوبة ورقة...فيقول «ما ألطف قول من قال :
ياميّ عيدك يوم ** وأنتِ عيد الزمان
ما أغرب ما تفعله كلمه واحدة في بعض الأحيان , إنها تحوّل الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت .. تقولين إنك تخافين الحب ! لماذا تخافينه ؟ أتخافين نور الشمس ؟ أتخافين مدّ البحر ؟ أتخافين طلوع الفجر ؟ أتخافين مجيء الربيع ؟ لماذا يا ترى تخافين الحب ؟
أنا أعلم أن القليل في الحب لا يرضيكِ , كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني , أنتِ وأنا لا ولن نرضى بالقليل , نحن نريد الكمال ..الكثير , كل شيء !
لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي , علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة , ورغم ما فيه من الإلتباس والحيرة ..
ويقول لها لاحقا «ما أجمل رسائلك يا ميّ وما أشهاها فهي كنهر من الرحيق يتدفق من الأعالي ويسير مترنما في وادي أحلامي بل هي كقيثارة اورفيوس (شاعر وموسيقي تحدثت عنه أساطير اليونان سحر بأنغامه وحش الغاب وآلهة الجحيم) تقرب البعيد وتبعد القريب وتحول بارتعاشاتها السحرية الحجارة إلى شعلات متقدة والأغصان اليابسة إلى أجنحة مضطربة .
إن يوما يجيئني منك برسالة واحدة لهو من الأيام بمقام القمة من الجبل فما عسى أن أقول في يوم يجيئني بثلاث رسائل ؟ ذلك يوم انتحي فيه عن سبل الزمن لأصرفه متجولا في إرم ذات العماد.
****
ولقد ولد جبران في جبل لبنان سنة 1883 م وفي الخامسة من عـمره بدأ يتعـلّم مبادئ العـربية والسّريانية والفرنسية ثمّ ذهب مع أمّه وأخوته إلى مدينة بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية وهناك تعـلـّم الإنجليزية
وفي الخامسة عـشرة من عـمره عـاد إلى لبنان وبقي فيها ثلاث سنوات حتى أتقن اللغـة العـربية ورجع بعـدها إلى بوسطن حيث بدأ يرسم وأقام معـارض للوحاته وبدأ يكتب مقالات بالعـربية في جرائد المهجر وأصدر مجموعـتين قصصيتين ثمّ سافر إلى باريس ليدرس الرّسم وبقي فيها سنتين وأخيرا ذهب إلى نيويورك التي لم يتركها بعـد ذلك
وكانت مي في السادسة والعشرين حين أرسلت لجبران مبدية إعجابها بكتاباته في عام1912 أجاب جبران عـلى رسالة ميّ وأرسل لها رواية «الأجنحة المتكسّرة» التي كان قد نشرها في نيويورك وكتبت له ميّ أنـّها لا توافقه على آرائه وخاصة في الزواج وبدأت بينهما مراسلة استمرت تسع عـشرة سنة لم يلتقيا فيها أبدا ً أرسلت ميّ صورتها لجبران في سنة 1921 ، فرسمها بالفحم وأرسلها لها وتحولت عـلاقة ميّ بجبران _ قليلا ً فقليلا ً _ من الإعـجاب الأدبي إلى صداقة روحية ثمّ إلى حبّ.
كانت مي في حياة جبران الصديقه, والحبيبه الملهمة , وصلة الوصل بينه وبين وطنه , وأكثر ما حبه فيها عقلها النيّر الذي تجلى في مقالاتها وكتبها , وأحب فيها حبها له .., واعجابها بشخصيته وانتاجه الأدبي والفني الذي كانت تتناوله بالتقريظ والنقد في مقالاتها في مصر ...
وعلى الرغم من كل ما كُتب عن علاقات جبران الغرامية من النساء امثال « ماري هاسكل» وميشلين «فأن حبه لمي كان الحب الوحيد الذي ملك قلبه وخياله ورافقه حتى نهاية حياته فقد كان حبه لها معادلا حبه العارم لوطنه لبنان.
لقد دامت تلك العاطفة بينهما زهاء عشرين عاما , دون أن يلتقيا الاّ في عالم الفكر والروح , والخيال الضبابي إذ كان جبران في مغارب الأرض مقيما وكانت مي في مشارقها , كان في امريكا وكانت في القاهرة. لم يكن حب جبران وليد نظره فابتسامه فسلام فكلام بل كان حبا نشأ ونما عبر مراسله أدبيه طريفة ومساجلات فكرية وروحية ألفت بين قلبين وحيدين , وروحين مغتربين .ومع ذلك كانا أقرب قريبين وأشغف حبيبين ...ويا لتلك الأيام أيام زمن الحب الجميل العفيف الطاهر
                                      بقلم: د. نجاح باراوي

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire