بسم الله الرحمن الرحيم
قصة قصيرة:
التّسلّقُ نحوَ الأسْفَل
بقلم/أحمد الحمد المندلاوي
** تسلّق إحدى القمم العالية هرباً من أشياء كثيرة تجلب له ألوان التعاسة و الضجر و الرتابة،ولا يرغب أن يبقى هكذا و هو في أذيال عقده الخامس أسيراً لأمور تافهة،وأوهامٍ فارغة ؛و معلقاً بحبال واهية مهزوزة من الآمال المجهضة..
في لحظة ما قرّر أن يتحرر من كلّ قيد و صفد يريد أن يعكر مزاجه الشفّاف،و يخالف خلجات نفسه بحكمة واقعية،و يهجر حفنات من التملق والتي يلفّها حبُّ الذات و المصلحة الشخصية.
لذا تراه باحثاً عن عشٍ جديدٍ يأوي اليه بلا إكدارٍ و إهدارٍ؛ آوى الى هذه القمة الحصينة ليبني له صومعة فيها بعيداً عن هزاهز الحب العنيفة..وتباريحِ الهوى؛و أروقة التباهي الفارغ،و ليهجر ميدانها المتقلب الى الأبد..
عاش هادئاً مرتاحاً لا تلدغه عقارب الجفاء؛ولا أفاعي الهجران،و ديدان التخلف، سعيداً بتأملاته الملوّنة التي جمعتْ عمر الخيام، وبابا طاهر العريان كلٌّ منهما يتبطّأُ رباعياته العرفانية في مربد هذا الفضاء..والحلاج الدرويش ينتظر بلهف الشروع بتلاوة الأشعار ليعبأ في كشكوله العجيب شيئاً منها..و هناك شاعر العرفان سعدي الشيرازي ينثر حكمه من سماءِ شيراز الى أنحاء المعمورة..الى دلهي و مقطوعات طاغور الساحرة،مع سرمدية حكم زرادشت .
و ذات صباحٍ رأى منطاداً زاهياً تسلّل الى ثنايا صومعته المتواضعة بهدوء؛و بلا إذن؛و لا جواز،تلمس أركانه الرقيقة ليجدَ علامة للدولة الصانعة (ميد إن ..Mead In ،ساخت كشور ..) فلم يعثر على شيء غير كلمتينِ أزليتينِ (الإنسان- القدر) ، الصمت خيّم عليه برهبة.. ثمَّ خاطب المنطادَ الزائر بلا دعوة:
- ماذا جاء بكَ الى هنا أيُّها المنطاد الجميل؟ هل جئت لتزاحمني..أم تبحثُ عن وكرٍ أكثر سعادة في هذه الصومعة المنسلخة من أتربة الأرض..ودخان المكائن و العجلات المزعجة؛و الكروش المنتفخة،أم ما دافع مجيئكَ الى هنا تاركاً وراءكَ المصابيح الملونة،و الأزاهير والوجوه المشرقة و ضجيج الأطفال..أم وراء الأكمةِ ما وراءها ؟ أم هناك في جعبتك أشياءُ من الصعب الخوض في غمارها؛أو التحدث عنها بهذه العجالة..تكلم أيها المنطاد الأبله؟؟
- غادرْ المكان فوراً .. و إرحلْ الى حيثُ شئتَ بعيداً عني.
صمتٌ بعد هذا الهذر من الكلام لأنَّه يخاطب جماداً،حتى و إن كان زاهياً جميلاً يبقى جماداً بلا روح..المهم عنده إنَّــه أفرغ شحناتٍ متنافرة كانت تنقرُ مخابئ ذاكرته..يكاد أحياناً يسمع أصواتَ النقر من بين حشاياه و تعاريج مخه.
بانت عليه ابتسامة هازئة..ساخرة من نفسه حيناً ،ومن المنطاد الفضولي حيناً آخر . وفي أثناء هذا المعمعان راوده سؤال جدّي :
- أنا سعيد و مرتاح في صومعتي هذه..في أعالي الجبل، فكيف بي اذا ما حلقت بهذا المنطاد الى قمة أشم،وأبعد من هذه ..قد تقارب الثريّا و درب التبّانة؛أو الثقب الأسود..و بذا سأكون أسعد من هذه الحالة حتماً..إذاً سأمتطي ظهر هذا المنطاد الزاهي باحثاً عن سعادة أشمل،و هناء أكمل للروح نائياً عن تباريح الجوى و سراديب الألم ..
ما إنْ ركب المنطاد حتى سقط الى الأرض فتعثر بحبٍّ جديدٍ؛ ومأوى أتعس!!
احمد الحمد المندلاوي
بغداد – 16/2/2016
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire